ابن كثير

49

البداية والنهاية

كتاب الوفود ( 1 ) الواردين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال محمد بن إسحاق : لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت ضربت إليه وفود العرب من كل وجه ، قال ابن هشام : حدثني أبو عبيدة أن ذلك في سنة تسع ، وأنها كنت تسمى سنة الوفود ، قال ابن إسحاق : وإنما كانت العرب تربص باسلامها أمر هذا الحي من قريش ، لان قريشا كانوا إمام الناس وهاديتهم وأهل البيت والحرم وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم وقادة العرب لا ينكرون ذلك ، وكانت قريش هي التي نصبت الحرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافه ، فلما افتتحت مكة ودانت به قريش ودوخها الاسلام ، عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عداوته فدخلوا في دين الله كما قال عز وجل * ( أفواجا ) * يضربون إليه من كل وجه ، يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم * ( إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ) * أي فاحمد الله على ما ظهر من دينك ، واستغفره إنه كان توابا ، وقد قدمنا حديث عمرو بن مسلمة قال : كانت العرب تلوم باسلامهم الفتح ، فيقولون : اتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق ، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم باسلامهم وبدر - أي قومي - باسلامهم ، فلما قدم قال جئتكم والله من عند النبي حقا ، قال صلوا صلاة كذا في حين كذا ، وصلاة كذا في حين كذا ، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا ، وذكر تمام الحديث وهو في صحيح البخاري . قلت : وقد ذكر محمد بن إسحاق ثم الواقدي والبخاري ثم البيهقي بعدهم من الوفود ما هو متقدم تاريخ قدومهم على سنة تسع بل وعلى فتح مكة . وقد قال الله تعالى * ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح قاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى ) * [ الحديد : 10 ] وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح " لا هجرة ولكن جهاد ونية " فيجب التمييز

--> ( 1 ) انظر في تلك الوفود : ( ابن سعد 1 / 291 ) تاريخ الطبري ، ابن حزم ( 259 ) سيرة ابن هشام ( 4 / 206 ) . السيرة الشامية ( 6 / 386 ) ودلائل البيهقي ( 5 / 309 ) .